الملا فتح الله الكاشاني

100

زبدة التفاسير

فقال لهما أحبار اليهود : اسألوه عن ثلاث ، فإن أخبركم بهنّ فهو نبيّ مرسل ، وإن لم يفعل فهو رجل متقوّل . اسألوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأوّل ما كان أمرهم ؟ فإنّه قد كان لهم حديث عجيب . واسألوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ما كان نبؤه ؟ واسألوه عن الروح . وفي رواية أخرى : فإن أخبركم عن الثنتين ولم يخبركم بالروح فهو نبيّ . فانصرفا إلى مكّة فقالا : يا معاشر قريش قد جئنا بفصل ما بينكم وبين محمّد . وقصّا عليهم القصّة . فجاؤوا إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فسألوه . فقال : أخبركم بما سألتم غدا ، ولم يستثن . فانصرفوا عنه . فمكث صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم خمس عشرة ليلة - وقيل : عشرا ، وقيل : أربعين - لا يحدث اللَّه له في ذلك وحيا ، ولا يأتيه جبرئيل ، حتّى أرجف أهل مكّة وتكلَّموا في ذلك ، فكذّبوا نبوّته . فشقّ على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ما يتكلَّم به أهل مكّة . ثمّ جاءه جبرئيل عليه السّلام عن اللَّه ، فقرأ على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم هذه الآية : * ( ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّه ) * هذا نهي تأديب من اللَّه لنبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لا نهي تحريم ، لأنّه لو لم يقل ذلك لم يأثم بلا خلاف . والاستثناء متعلَّق بالنهي خاصّة ، أي : ولا تقولنّ لأجل شيء تعزم عليه إنّي فاعل غدا - أي : فيما يستقبل - إلَّا بأن يشاء اللَّه ، أي : إلَّا ملتبسا بمشيئته قائلا : إن شاء اللَّه ، أو إلَّا وقت أن يشاء اللَّه أن تقوله ، بأن أذن لك فيه . ولا يجوز تعليقه ب‍ « إنّي فاعل » ، لأنّه لو قال : إنّي فاعل كذا إلَّا أن يشاء اللَّه ، كان معناه : إلَّا أن تعترض مشيئة اللَّه دون فعله ، وذلك ما لا مدخل فيه للنهي . وروي أنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال لجبرئيل حين جاءه : « لقد احتبست عنّي يا جبرئيل . فقال له جبرئيل : وما نتنزّل إلَّا بأمر ربّك . فقصّ عليه هذه السورة المشتملة على قصّة أصحاب الكهف والرجل الطوّاف ، وقرأ عليه ما في سورة بني إسرائيل من قوله : « وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي » .